مؤسسة تكنت للإنتاج الإعلامي
كيف ظهر الإسلام السياسي ؟؟

كيف ظهر الإسلام السياسي ؟؟

شهد العالم الإسلامي في أواخر أيام سلطة بني عثمان مرحلة انحطاط فكري وضعف سياسي وذبول أخلاقي عمت جميع مناطقه وخاصة العربية منها ، وبدأت هذه المرحلة تستفحل شيئا فشيئا حتى وصلت أوْجها وذروتها مع القرن التاسع عشر، في وقت بدأت فيه عدة متغيرات سياسية واجتماعية تظهر في المنطقة ، وكانت لها تداعيات خطيرة على المجتمعات الإسلامية ، فالدولة العثمانية “الرجل المريض” أصبحت تتقهقر وتنزوي على نفسها ويتقلص نفوذها وتتراجع مكانتها وذلك على مختلف الأصعدة ، في مقابل صعود لا فت وخاطِف للقوى الأوربية ، التي أبهرت شعوب العالم الإسلامي بتطورها الملفت خاصة مع حملة “نابليون بون بارت” ؛ التي أحدثت صدمة في مصر ومحيطها بسبب اكتشاف مدى تفوق القوى الأوربية واتساع الهوة بين الواقع في العالم الإسلامي والتقدم الحاصل في منظومة الفكر الغربي .

ولقد خلّف هذا الحدث شعورا لدى المسلمين بالمرارة والحسرة والحس بالضعف عن المواجهة والتصدي للأخر فانقسموا إلى فرق شتى : يرى بعضها أن العض بالنواجذ على المورث وإعادة إحيائه يمثل السبيل الآمن للخروج من هذه الأزمة .
فيما ذهب تيار آخر إلى القول بأن تتبع مسار النهضة الأوروبية و الاستغراب الفكري يمثل حلا لهذه الأزمة .

في هذا السياق المتوتر جدا ظهر تيار_ يصفه البعض بالعقلانية أكثر من غيره_ يدعو إلى الاستفادة من التجارب الغربية والتمسك بالموروث بإعادة النظر فيه ونبذ الخلافات المذهبية والخرافات ، والأهم من ذلك دعوته لفهم الإسلام فهما جديدا ، وسمي هذا التيار “بالإصلاح الديني” وكان من رواده جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وبغض النظر عن الخلفية الثقافية لهذا الإصلاح ، إلا أنه شكل لحظة هامة في تاريخ الفكر الإسلامي عموما والحديث خصوصا.

وغير بعيد من هذا ،واستنادا على أفكار هؤلاء ، ومع العشرية الثالثة من القرن العشرين وموّازاة مع جملة من المتغيرات السياسية كالحرب العالمية الأولى والاقتصادية كأزمة العشرينات 1929) ظهرت جمعيات دعوية وتَوْعوِيّة في البداية ، لكنها ستتحول في النهاية إلى حركات سياسية ، سميت لاحقا بحركات “الإسلام السياسي” : الذي يطلق على الحركات السياسية الإسلامية التي تنشط غالبا في البلدان الاسلامية وترفع راية الإسلام وتنادي بتطبيق تعاليمه وأحكامه ، وتسمي نفسها بالإسلامية كما لو أن المجتمعات مقصرة في سبيل الإسلام .

لقد جاءهذا “الإسلام السياسي” مقدما نفسه كبديل لخلافة بني عثمان ومعوضا لها ،ورفع شعارات من أبرزها الدعوة لإقامة الإسلام محل القوانين الوضعية المستوردة من الغرب ، فلاقت هذه الشعارات قبولا لدى الشعوب العربية والإسلامية ، وتجلى ذلك ــ بشكل أكثر وضوحا ــ مع حركة “الإخوان المسلمين” في مصر “1928م” باعتبارها الحركة الأبرز في هذا المضمار والأكثر شعبية ، فقد بدأت هذه الحركة في البداية تحشد الشعب وتوعز له بالتمرد في وجه الاستعمار و الأنظمة الاستبدادية واعتبار ذلك حركة جهاد مقدس وعمل جبار، أمام قوة غازية ومخالفة في الدين تسعى إلى السيطرة على البلاد والعباد.

لقد ظهرت مع هذه الحركات مفاهيم جديدة كمفهوم “الإسلام دين ودولة ” ورغم أن المفهوم لا يوجد في التراث الإسلامي إلا أن الحركة الإسلامية اعتبرته ضروريا في تلك المرحلة .

في سبيل مشروعها هذا خاضت هذه الحركات صراعا كبيرا ملاطفة و عنوة مع الأنظمة السياسية في الدولة العربية ، وتعرّض قادتهم للاعتقال والتنكيل في أكثر من مناسبة ، خاصة في فترة السبعينات والثمانينات حيث شهدت أوج احتكاكهم مع هذه الحكومات ، إلا إن نجاح الثورة الإسلامية في إيران واقتناع الكثير من هذه الحركات بمبدإ الجهاد في أفغانستان ، كل هذا ساهم في تحول فكري عميق لدى الإسلاميين ، وأعطاهم زخما إعلاميا و سياسيا كبيرا .

وتعتبر الشخصيات التالية الأكثر تأثيرا في إيديولوجية الإسلام السياسي المعاصرة (( الباكستاني أبو الأعلى المودودي ، والمصري سيد قطب ، والإيراني روح الله الخميني …))

و يمكن القول إن الإسلام السياسي شكل حلقة مهمة في تاريخ تطور الإيديولوجية الإسلامية ولكنه رغم ذلك سلك سبيلا آخر مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ، وتحول من إسلام معتدل إلى إسلام وصف بالغلو و التطرف والتشدد ، حيث اتحدت الأصولية المصرية والباكستانية على الأراضي الأفغانية والتحق بهم الكثير من الشبان العرب، بدعم خليجي سخي وبمباركة من الولايات المتحدة والغرب رغبة في إنهاك الاتحاد السوفيتي وتحطيم قواه ، لتظهر لنا لاحقا حركة طالبان ثم القاعدة ثم الدولة الإسلامية المسماة (داعش).

الأستاذ : التجاني عبد الرحمن

مؤسسة تكنت للإنتاج الإعلامي

مقالات ذات صله

تيليغرام